بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 27 مارس 2010

الاعجاز العلمي في المشي حافيا



الاعجاز العلمي في المشي حافيا





للمشي آثار إيجابية على المستوي الجسدي، والنفسي، والعقلي، والروحي. وأمرنا رسولنا (صلى الله عليه وسلم) أن نفعل حين بعد حين، نوع خاص من المشي، وهو المشي حافيا. هذه المقالة تبين (بصورة مختصرة) بعض فوائد المشي حافيا لبعض الوقت، والمتمثلة في بعض التأثيرات الإيجابية على المستويات الأربع السابقة، مستدلا بالحديث الصحيح وبالرفلكسولوجي (علم الإنعكاس)، وبعض ما جاء من الطب الحديث.
الحديث: أخرج ابن ماجة حديث برقم 3629، و ابو داود برقم 4160، والنص لأحمد برقم 22844 "عن عبد الله بن بريدة: أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة ابن عُبيد وهو بمصر. فقدم عليه فقال: أما إني لم آتك زائراً؛ ولكنِّي سمعت أنا وأنت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجوت أن يكون عندكم منه علمٌ. قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا. قال: فما لي أراك شعِثاً، وأنت أمير الأرض؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهانا عن كثيرٍ من الإرفاه. قال: فما لي لا أرى عليك حذاءً !؟ قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نحتفي أحياناً". اسناد حسن، وهو صحيح على شرط الشيخين [7]. أما قوله: نحتفي، أي نمشي حفاةً بدون حذاء، واحيانا، أي حين بعد حين.
ما هو الرفلكسولوجي؟ الرفلكسولوجي (Reflexology):
تترجم بالعربية بعلم الإنعكاس [9،4]، وفي بعض المراجع المترجمة أو المعربة يعرف بعلم الإرتكاس [1،2،5]. وهو علم يهتم بدراسة وممارسة الضغط – بطريقة علميةعلى نقاط معينة في اليدين



صورة 1 تبين أماكن المراكز الإنعكاسية في القدمين



والقدمين، تسمى بمناطق ردات الفعل [11]. ويُصنف هذا العلم من الطب المكمل للطب الكلاسيكي الذي نتداوى به [1،10].
يهدف علم الإنعكاس إلى مساعدة الجسم على استعادة توازنه الطبيعي. وينشأ ظروف ايجابية تساعده على معالجة نفسه بنفسه، لإنعكاس الحالة الصحية على القدمين، وبسبب الاتصال الوثيق بين مختلف الأعضاء، والأعصاب، والغدد في الجسم، وبين مناطق ردات الفعل المعينة في باطن القدم والأصابع وأطرافها وجوانب القدمين [5] (صورة 1 ) وذلك بواسطة الشبكة العصبية. حيث يوجد بالقدمين 7200 نهاية عصبية، تتصل بباقي أجزاء الجسم. من خلال الحبل الشوكي والدماغ [4].
تاريخ علم الإنعاس: يمتد جذور علم الإنعكاس التاريخية إلى ماقبل 5000 سنة في الصين. كما أنه وجدت لوحة فرعونية في صقارا، يعود تاريخها إلى 2330 قبل الميلاد (صورة 2). ونُشرت أول دراسة في هذا العلم عام 1582 م بواسطة الدكتور "ادموس" والدكتور "اتاتيس". وتبعها الدكتور "بل لايبنيغ" بنشر دراسة أخرى. وقد أنجز الدكتور الأمريكي "ويليام فيتزجرلد" اكبر وأهم دراسات عن هذا العلم في بداية القرن العشرين. وتتابعت الدراسات حتى وصل العلم إلى "أونيس أنغام "، والتي تعد من أوائل من وضعوا أساس نظري لهذا العلم، وذلك في عام 1900م. ثم أدخلت الممرضة " دورين بايلي" -المجازة لهذا العلم- لأوروبا، بعد دراستها مع "أونيس انغهام" في أميركا، وذلك قبل عودتها لوطنها –بريطانيا - عام 1960م [1،2،5،6،10].
عمل علم الإنعكاس: يقوم عمل هذا العلم على تنشيط النقاط الخاصة برد الفعل المنعكس الموجودة بالقدمين أو اليدين، وذلك بالضغط بالأصابع أو أداة خشبية ، ويؤثر هذا الضغط مباشرة على الغدد، والأعصاب، وبقية أعضاء الجسم. والتي بدورها تسهل جريان الدورة الدموية، والطاقة الحيوية بشكل أفضل [6]. ومن هذه التأثيرات: التخلص من التوترات العضلية، والنفسية، والعقلية، التي تؤثرا سلبا على الصحة العامة [5].
فرضيات وقواعد: إذا استبدلنا أدوات العلاج بعلم الإنعكاس – إبهام المعالج أو القطعة الخشبية - بضغط الجسم على الحصى والحجارة. وبفرض صحة المكان ( يقصد به خلو المكان من الملوثات والتي قد تسبب الضرر كالزجاج المكسر مثلا ) مقابل نظافة أدوات العلاج بالإنعكاس. وبالمقارنة مع أهم قواعد علم الإنعكاس وهي: أن يتم تنشيط النقطة المتصبلة أو المؤلمة في القدم - بالضغط عليها - بشرط أن لا تتجاوز الضغطة على النصف دقيقة، وأن يتم علاج أي نقطة متصلبة أو مؤلمة حتى وأن لم يعرف المعالج أو المريض إلى أي عضو تتبع، لأنه لو لم يكن هناك مشكلة في العضو التابع لهذه النقطة في القدم، لما كان هناك نقطة متصلبة أو ألم. وأن لا نعالج النقطة الواحدة أكثر من مرتين يوميا [6]. هذه القواعد يمكن توفرها في المشي حافيا أيضا عن طريق علاج النقط المتصلبة وغيرها، إلا إنه تتم معالجة المناطق عشوائيا، ولن يكون مدة الضغط لأكثر من نصف دقيقة إلا إذا تعمد عدم المشي. إلا أنه في المشي حافيا لن يكون هناك علاج للنقاط التي في ظهر وبجانب القدمين. ومع ذلك فإنه من الممكن أن نستنتج بعض الفوائد لهذا النوع من المشي بالمقارنة مع علم الإنعكاس وبصورة عامة ومختصرة كما يلي:
المشي حافيا وأثره على الجسم: الضغط على مناطق رد الفعل في القدم لبعض الوقت أثناء المشي حافيا، يحث الكبد، والقولون، والجلد، والرئتين، على القيام بوظائفهم الحيوية، ويستخرج السموم الموجودة فيها بعيدا عن الجسم [6]. كما أنه يمكننا - كما يناظره في علم الإنعكاس - أن تتعرف على وجود الخلل في أي عضو في الجسم، حتى وإن لم يتم الكشف عن وجود علة بذلك العضو، وذلك بشدة الألم الحاصلة عند نقطة رد الفعل دون غيرها في القدم.


صورة 2



إن عملية ضغط الجسم على نقطة الانعكاس، تقوم بارسال موجة من النشاط - أكسجين وغذاء...- والتي تحفز الجهاز الدوري، والأعصاب؛ لمساعدة العضو المصاب، والقضاء على التجلطات، والإحتقانات التي توجد فيه [5]. كما نعلم بالدورة الدموية الجيدة هي أساس الحياة المليئة بالصحة، والركود لها يؤدي إلى الوفاة المبكرة لكثير من الخلايا، كالبركة التي تصبح مليئة بالطحالب وفي نهايتها تتحول إلى قشرة صلبة. ذلك ما سيحدث تماما إذا حرمت الخلايا في كل أجزاء الجسم، من دورة دموية سخية بالأكسجين والطاقة [5]، الموجودة – مثلا – في الطعام الصحي، وفي الهواء النقي المليء بالأكسجين، والطاقة المنبعثة من حولنا، وبإثارة نقاط الإنعاس بالضغط عليها نتيجة المشي حافيا لبعض الوقت...
المشي حافيا وأثره على النفس والعقل: هذا النوع من المشي يمد الجسم بالحيوية والطاقة اللازمة. فمثلا: تدفق الدم لخلايا الجسم المحمل بالأكسجين، والطاقة، يحارب كافة حالات التعب المزمن والكسل. ويعمل أيضا على إزالة الأحاسيس السلبية. ويعيد التوازن العضوي والفكري. وهذا بدوره يساعد على تجلي الأفكار، وزيادة القدرة على التركيز والانتباه، ويساعد على إزالة الضغط النفسي الذي يدمر مناعة الجسم، ويجعله عرضة للإصابة بالأمراض العضوية [6].
المشي حافيا والطاقة: غالبا ما تكون النقاط في القدمين مؤلمة أكثر مما هي في اليدين وبقية أعضاء الجسم، لأنه بحسب قانون الجاذبية، ووقوفنا الكثير على قدمينا، تترسب مواد معينة تسبب إغلاق لمسارات أو تيارات الطاقة الكهرومغناطيسية [1،2]. وبالضغط على هذه النقاط المتصلبة، يساعد على فتح القنوات لهذه الطاقة. ويتسنى - بالاتصال المباشر - لذبذبات الطاقات المنبعثة من المعادن والألوان الموجودة في الحصى والحجارة... أن تسير هذه الطاقات في مداراتها بحركة طبيعية، فتعود بذلك الحيوية إلى جميع الأعضاء التابعة لهذه المسارات.
المشي حافيا وأثره على الروح: الجانب الروحي يسموا بالطاعات. والمشي حافيا هو طاعة لأمر رسلونا ومعلمنا (صلى الله عليه وسلم). وإن عملية تذكر الأجر - الذي أعده الله لمن أطاع أمره ابتغاء وجهه الله الكريم - في الدنيا والآخرة أيضا يزيد من قوة الإيمان وإطمئنان القلب.
وكما أن علم الإنعكاس محدود الإمكانيات - إذ لا يستطيع بواسطته إيقاف أي علاج بالأدوية أو الإمتناع عن إجراء أي عملية جراحية [6] - فإنه يمكننا القول عن إمكانية محدودية المشي حافيا أيضا. و يمكن اعتبار المشي حافيا لبعض الوقت علاج مكمل، ووقائي، كما هو الحال في علم الإنعكاس. وهذا واضح في نصائح بعض أطباء الطب الحديث لبعض الحالات الطبية: كالفطريات في الأقدام، او ما يسمى بمرض قدم الرياضيين، أو دوالي الساقين أو القدم المفلطحة المؤلمة [7].
أما السؤال كم من الوقت نحتاج أن نمشي؟ وكم عدد المرات التي نمشيها في الأسبوع؟ فالإجابة عليها تعتمد على: طبيعة الأرض ومقايس الحصى الذي سوف نسير عليها، وعلى سمك جلد القدم، والوزن، والعمر، ومقدار الضغط على القدم، وكيفية توزيع هذا الضغط.... مثل هذه الأسئلة هي موضوع الخلاف الجوهري بين المنادين بأهمية المشي حافيا، وبين المعارضين من الباحثين في الطب الحديث، أنظر مثلا [7]. إذا أنتظرنا إلى أن تكتمل الأجوبة على كل التساؤلات بالبحث العلمي، وحتى يصلحوا الفريقين، فإنني أتوقع بأنه سوف يفوتنا الكثير من حِكم هذه السنة وهذا الأمر. وإيجابة على هذه التساؤلات تكمن – من وجهة نظري -في كلمة من أوتى جوامع الكلم (صلى الله عليه وسلم) " أحيانا" فهي تفي بالغرض كما يفهمها المطبق لهذه السنة. ومن أفضل المعايير الدينية والعقلية: كل إنسان على نفسه بصيرة، ولا ضرر ولا ضرار.
إن المصدق برسالة الرسول ( صلى الله عليه وسلم )، والمطيع لأوامره، له الأجر في الدنيا والآخرة. وكما أن عدم معرفة الحِكم من تطبيق أي سنة لا يعني الحرمان من الحصول على منافعها، فإن معرفة الحِكمة أو الفوائد المرجوة من تطبيقها تزيد من قوة الإيمان.


v

وصف التخلق البشري مرحلة النطفة

أ‌. مارشال جونسون

الشيخ عبد المجيد الزندانـي

الأستاذ مصطفى أحمد

صورة مجهرية لنطفة بشرية في اليوم السادس

مقدمـة:

لقد كان اكتشاف المراحل المتنوعة والمتتابعة التي يمر بها الجنين من المسائل الصعبة والمعقدة في تاريخ علم الأجنة، ومرد تلك الصعوبة إلى الحجم المتناهي في الصغر لمراحل الجنين وخاصة في الأسابيع الأولى من الحمل، ولعدم تيسر مشاهدته أو فحصه في مستقره داخل الرحم دون تقنية خاصة، ناهيك عن عدم الإدراك الصحيح لقرون طويلة قبل اكتشاف الميكرسكوب في القرن السابع عشر لدور كل من الذكر والأنثى في تكوين الجنين.

إلا أن القرآن الكريم – الذي يرجع تاريخه إلى القرن السابع الميلادي – يمثل أو مرجع بين أيدينا يذكر أطوراً متميزة للجنين ويقدم مسميات ومصطلحات تصف المظهر الخارجي، وأهم العمليات والأحداث الداخلية لكل مرحلة، وقد استوفت هذه المصطلحات القرآنية بمثالية رائعة جميع الشروط التي يجب توفرها للمصطلحات العلمية الدقيقة.

يقول الله تعالى مبيناً مراحل التطور الجنيني: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)﴾ [المؤمنون:12-14].

والمرحلة الأولى التي ستكون موضوع بحثنا من هذه المراحل هي مرحلة النطفة.

تعريف المصطلح:

النطفة في اللغة العربية تطلق على عدة معان منها: القليل من الماء والذي يعدل قطرة.

قال ابن منظور في صغار اللؤلؤ: والواحد نطفة، ونطفة شبهت بقطرة الماء[1].

وقال الزبيدي: ونطفت آذان الماشية وتنطفت: ابتلت بالماء فقطرت[2].

وجاء في حديث شريف: (فلم نزل قياماً ننتظره حتى خرج إلينا وقد اغتسل ينطف رأسه ماء)[3].

ويشير إلى ذلك ما رواه أحمد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن شئ لا يعلمه إلا نبي، قال فجاء حتى جلس ثم قال: يا محمد مم يخلق الإنسان ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا يهودي من كلٍ يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة"[4].

ويبدأ مصطلح النفطة من المنوي والبييضة وينتهي بطور الحرث (الانغراس)، وتمر النطفة خلال تكونها بالأطوار التالية:

1- الماء الدافق:

يخرج ماء الرجل متدفقاً ويشير إلى هذا التدفق قوله تعالى:﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)﴾ [الطارق:5-6]

ومما يلفت النظر أن القرآن يسند التدفق للماء نفسه مما يشير إلى أن للماء قوة دفق ذاتية[5].

وقد أثبت العلم في العصر الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة وهذا شرط للإخصاب (انظر شكل 3-1).

وقد أثبت العلم أيضاً أن ماء المرأة الذي يحمل البييضة يخرج متدفقاً إلى قناة الرحم (فالوب)، وأن البييضة لابد أن تكون حيوية متدفقة متحركة حتى يتم الإخصاب (انظر شكل:3-2).

شكل 2-1: المني أو ماء الذكر مكبراً (450) مرة كل حوين له رأس بيضوي بارز قليلا وجسم قصير وذيل متحرك يؤمن له القدرة على الحركة التي تساعده على الوصول إلى مكان الإخصاب.

Nilsson et al, A Child is Born, New York, Delacorte Press, 1982

ومن المعلوم أن ماء الرجل يحوي بالإضافة إلى المنويات عناصر أخرى تشارك وتساعد في عملية الإخصاب مثال ذلك مادة البرستاجلاندين، التي تحدث تقلصات في الرحم مما ساعد في نقل المنويات إلى موقع الإخصاب[6].

كما أن ماء المرأة يحوي بالإضافة إلى الييضة عناصر أخرى تساعد وتشارك في عملية الإخصاب.

ومنها بعض الأنزيمات التي تفرزها بطانة الرحم وقناته، التي تجعل المنوي قادراً على الإخصاب وذلك بإزالة البروتين السكري من رأسه[7].

وتعمل هذه الأنزيمات بالإضافة إلى ذلك على إطلاق الخلايا المحيطة بالبييضة وكشف غشائها الواقي أمام المنوي[8].

وبما أن لفظ نطفة يأتي بمعنى الكمية القلية من المسائل، فإن هذا المصطلح يغطي ويصف تلك الكميات من السوائل التي تخرج متدفقة لدى كل من الذكر والأنثى انظر (شكل 2-1) و (وشكل 2-2).

2- السلالة:

شكل 2-2: بييضة مع طبقتها من الخلايا الجريبية وماء المرأة مكبرة (100) مرة. يتم سحب البييضة داخل سدائل قناة البيض بواسطة ملايين الأهداب الصغيرة تدفعها إلى داخل القناة.

Nilsson et al, A Child is Born, New York, Delacorte Press, 1982

يأتي لفظ سلالة في اللغة بمعان منها:

انتزاع الشئ وإخراجه في رفق[9].

كما تعني أيضاً السمكة الطويلة[10].

أما الماء المهين: فالمراد به هنا (أي في طور السلالة:) ماء الرجل[11].

وإذا نظرنا إلى المنوي فسنجده: سلالة تستخلص من ماء الرجل وعلى شكل السمكة الطويلة، ويستخرج برفق من الماء المهين انظر شكل (2-3،2-4).

ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى:﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ(8)﴾ [السجدة:8].

وخلال عملية الإخصاب يرحل ماء الرجل من المهبل ليقابل البييضة في ماء المرأة في قناة البييضات (قناة فالوب) ولا يصل من ماء الرجل إلا القليل ويخترق منوي واحد البييضة، ويحدث عقب ذلك مباشرة تغير سريع في غشائها يمنع دخول بقية المنويات (الشكل 2-4).

وبدخول المنوي في البييضة تتكون النطفة الأمشاج. أنظر (شكل 2-5) ويشير الحديث النبوي إلى أن الإخصاب لا يحدث من كل ماء الذكر، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من كل الماء يكون الولد)[20].

وهكذا فإن الخلق من الماء يتم من خلال اختيار خاص، والوصف النبوي يحدد بكل دقة كل هذه المعاني التي كشف عنها العلم اليوم.

شكل 2-3 ببيضة محاطة بالحوينات المنوية التي تندفع بنشاط نحوها. وعندما يفلح أحدها في إحداث الإخصاب يكون قد اختير وتبدأ بذلك مرحلة السلالة من النطفة.

Permission from Nilsson et al, A Child is Born, New York, Delacorte Press, 1982

Nilsson et al, A Child is Born, New York, Delacorte Press, 1982

شكل 2-4: صورتان أخذتا بالمجهر الاكتروني الصورة العليا تبين لحظة ملامسة الحوين المنوي سطح البييضة.

الصورة السفلى تبين دخول رأس الحوين البييضة ويقوم غشاء خلية البييضة عندئذ بمنع دخول الحوينات المنوية الأخرى. وتعرف هذه العملية في مراحل النطفة بالسلالة حيث يتم اختيار حوين واحد في وبييضة واحدة لبتحدا مبتدئين التخلق البشري. ويفقد الحوين المنوي بعد دخوله الخلية ذيله وغطاءه ليذوبا وتندمج المادة الوراثية بعدئذ.

شكل 2-5 بييضة غير ملقحة في ثنايا قناة البيض تحيط بها خلايا جرابية. يقوم الغشاء المخاطي ذو الثنايا بإفراز انزيمات تعمل بصورة تدريجية على فك الغلاف الخارجي للخلايا وتسمح للحوين المنوي بالوصول إلى الغشاء الواقي للبيضة.

(PERMISSION FROM: NILSSON ET AL, A CHILD IS BORN, NEW YORK, DELACORTE PRESS, 1982)

3- النطفة الأمشاج:

تأخذ البييضة المللقحة شكل قطرة، وهذا يتفق تماماً مع المعنى الأول للفظ نطفة (أي قطرة).

ومعنى (نطفة أمشاج): أي قطرة مختلطة من مائين.

وهذه النطفة الأمشاج تعرف علمياً عند بدء تكونها (بالزيجوت).

ويشير القرآن الكريم إلى النطفة الأمشاج

بقوله تعالى:﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾ [الإنسان:2].

وهناك نقطة هامة تتصل بهذا النص وهي أن كلمة (نطفة): اسم مفرد، أما كلمة (أمشاج) فهي صفة في صيغة الجمع ؛ وقواعد اللغة تجعل الصفة تابعة للموصوف في الإفراد والتثنية والجمع.

وكان مصطلح (نطفة أمشاج) واضحاً عند مفسري القرآن الكريم الأوائل مما جعلهم يقولون: النطفة مفردة لكنها في معنى الجمع[12].

ويمكن للعلم اليوم أن يوضح ذلك المعنى الذي استدل عليه المفسرون من النص القرآني.

فكلمة (أمشاج) من الناحية العلمية دقيقة تماماً وهي صفة جمع تصف كلمة نطفة المفردة، التي هي عبارة عن كائن واحد يتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين.

وتواصل هذه المرحلة نموها، وتحتفظ بشكل النطفة، ولكنها تنقسم إلى خلايا أصغر فأصغر تدعى قسيمات جرثومية (blastomeres).

وبعد أربعة أيام تتكون كتلة كروية من الخلايا تعرف بالتوتية (morula).

صورة مجهرية للنطفة في طور التوتية

وبعد خمسة أيام من الإخصاب تسمى النطفة (كيس الجرثومة) (blastocyst) مع انشطار خلايا التوتية إلى جزئين (انظري الشكل 2-6).

شكل يظهر النطفة في طور الكيس الجرثومي

وبالرغم من انقسام النطفة في الداخل إلى خلايا فإن طبيعتها ومظهرها لا يتغيران عن النطفة لأنها تملك غشاء سميكاً يحفظها ويحفظ مظهر النطفة فيها انظر شكل (2-6).

وخلال هذه الفترة ينطبق مصطلح (نطفة أمشاج) بشكل مناسب تماماً على النطفة في كافة تطوراتها، إذ أنها تظل كياناً متعدداً.

فهي إلى هذا الوقت جزء من ماء الرجل والمرأة.

وتأخذ شكل القطرة فهي نطفة.

وتحمل أخلاطاً كثيرة فهي أمشاج. وهذا الاسم للجنين في هذه المرحلة يغطي الشكل الخارجي وحقيقة التركيب الداخلي بينما لا يسعفنا مصطلح: (توتة)[22] بهذه المعاني، كما لا تعبر الأرقام المستعملة الآن عن هذه المعاني

نتاج تكوين النطفة الأمشاج:

أ: الخلق:

وهو البداية الحقيقية لوجود الكائن الإنساني. فالمنوي يوجد فيه (23) حاملاً وراثياً، كما يوجد في البييضة (23) حاملاً وراثياً أيضاً.

ويمثل هذا نصف عدد حاملات الوراثة في أي خلية إنسانية.

الشكل 2-6: شكل إيضاحي موجز لمرحلة النطفة خلال الأسبوع الأول من التخلق البشري. ومصطلح (منى) ينطبق على المرحلة من وقت الإباضة حتى الإخصاب. ومصطلح (سلالة ينطبق على عملية الاختيار عند الاخصاب. وينطبق مصطلح (نطفة أمشاج) على الوقت من تكون اللاقحة (الزيجوت) (اليوم الأول) حتى تكون التوتية والخلية الجرثومية الأولى (اليومان 4و5). ويشير المصطلح (حرث) إلى عملية الغرس التي تبدأ في اليوم السادس.

Permission from Moore, K.L. The Developing Human, 4th ed., Philadel- phia, Saunders 1988

ويندمج المنوي في البييضة لتكوين الخلية الجديدة التي تحوي عدداً من الصبغات (الكروموسومات) مساوياً للخلية الإنسانية (46)، وبوجود الخلية التي تحمل هذا العدد من الصبغيات يتحقق الوجود الإنساني، وينقرر به خلق إنسان جديد لأن جميع الخطوات التالية ترتكز على هذه الخطوة وتنبثق منها، فهذه هي الخطوة الأولى لوجود المخلوق الجديد (انظر شكل:3-6).

ب: التقدير (البرمجة الجينية):

وبعد ساعات من تخلق إنسان جديد في خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى، تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقبل (الصفات السائدة).

كما تحدد فيها الصفات المتنحية التي قد تظهر في الأجيال القادمة، وهكذا يتم تقدير[13] أوصاف الجنين وتحديدها (انظر شكل 2-3).

وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين (الخلق والتقدير) في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19)﴾ [عبس:17-19].

ج: تحديد الجنس:

ويتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة، وإلى هذا تشير الآية: قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾ [النجم:45-46].

شكل 2-7: رسم تخطيطي يبين الإخصاب أو النطفة، تسلسل الأحداث التي تبدأ عندما يصل الحوين المنوي غشاء البلازما الثانوي لخلية البييضة وتنتهي باختلاط صبغيات الأب والأم في الطور المتوسط من الانقسام الفتيلي اللاقحة (الزيجوت) (أ) خلية بييضة ثانوية محاطة بعدد من الحوينات المنوية، (ب) اختفاء الاكليل الشعاع، ودخول حوين منوي إلى خلية البييضة، وحدوث الانقسام الانتصافي الثاني مما ينتج عنه تكون رحم بالغ، (ج) تضخم رأس الحوين المنوي لتكوين طليعة النواة المذكرة، (د) اندماج طلائع النواة المذكرة، (هـ) صبغيات الزيجوت مرتبة على مغزل انتصافي إعداداً للانغلاق (الفتيلي الأول) بإذن من:

Philadelphia, 1988 Moore, K. L. The Developing Human, Clinially Oriented Embryology , 4th ed.

فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البييضة يحمل الكروموسوم ( y) كانت النتيجة ذكراً، وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم (X) كانت النتيجة أنثى (انظر شكل 2-8).

4- الحرث:

تبقى النطفة إلى ما قبل طور الحرث (الانغراس) متحركة وتظل كذلك حين تصير أمشاجاً وبعد ذلك، وبالتصاقها بالرحم تبدأ مرحلة الاستقرار التي أشار إليها الحديث النبوي (يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين يوماً…)[14]

وفي نهاية مرحلة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض، وإلى هذه العملية تشير الآية في قوله تعالى:﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ..﴾ [البقرة:223].

وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث ويكون عمر النطفة حينئذ ستة أيام.

وفي الحقيقة تنغرس النطفة (كيس الجرثومة) في بطانة الرحم بواسطة خلايا تنشأ منها تتعلق بها في جدار الرحم والتي ستكون في النهاية المشيمة كما تنغرس البذرة في التربة (انظر الشكلين 2-9،2-10).

ويستخدم علماء الأجنة الآن مصطلح (انغراس) في وصف هذا الحدث، وهو يشبه كثيراً في مغناه كلمة (الحرث) في العربية.

وطور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة، وبنهايته ينتقل الحميل من شكل النطفة ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة، وذلك في اليوم الخامس عشر.

الشكل 2-8: مقارنة بين تكون المنوي والبييضة. ولا يتضمن الشكل الخلية الأولى للبييضة لأن هذه الخلايا تتمايز كلها فتصبح خلايا أولية قبل الولادة.

ويظهر في كل مرحلة تتمه صبغيات الخلايا الجرثومية. أما الرقم الظاهر في الشكل فبدل على العدد الكامل للصبغيات بما في ذلك الصبغيات الجنسية. ومن الضروري ملاحظة مايلي:

1- في أعقاب الانقسامين الجزئيين ينخفض عدد الصبغيات (46) إلى النصف (23).

2- تتكون (4) منويات من خلية منوية واحدة بينما تتكون بييضة واحدة من خلية بييضة أولية واحدة مكتملة النمو.

3- يتم المحافظة على حشوة الخلية خلال عملية تكون البييضة من أجل تكون خلية كبيرة واحدة أي خلية البييضة البالغة أو البييضة.

Permission from Moore, K.L. The Developing Human, 4th ed., Philadel- Phia, Saunders 1988

شكل 2-9: رسم يوضح تعلق الخلية الجرثومية بظهارة بطانة الرحم فيا لمراحل الأولى للغرس أو الحرث

(أ‌) ستة أيام، تتعلق الأرومة الغازية بظهارة بطانة الرحم عند القطب الجنيني للخلية الجرثومية.

(ب‌) سبعة أيام، تخترق الأرومة الغازية السخدية لظهارة بطانة الرحم، وتبدأ فيا الانتشار في سداة بطانة الرحم (هيكل النسيج الضام) بإذن من:

Permission from Moore, K.L. The Developing Human, 4th ed., Philadel- Phia, Saunders 1988

الشكل (2-10)

رسم يوضح انغارس الخلية الجرثومية في بطانة الرحم خلال مرحلة الحرث ويبلغ حجم ناتج الحمل حوالي امم أ- مقطع من خلية جرثومية منغرسة جزئياً في بطانة الرحم عند اليوم الثامن تقريباً، ويكون التجويف الأمنيوني على شكل شق.

Permission from Moore, K.L. The Developing Human, 4th ed., Philadel- Phia, Saunders 1988

وعليه فقد وصف القرآن الكريم كل جوانب مرحلة النطفة من البداية إلى النهاية، مستعملاً مصطلحات وصفية علمية دقيقة لكل طور من أطوارها (الشكل 3-9) ص13.

ويستحيل علمياً كشف التطورات وعمليات التغير التي تحدث خلال مرحلة النطفة من غير استخدام المجاهر الضخمة، نظراً لصغر حجم النطفة (الشكل2-10).

ولقد حدد القرآن الكريم أول مراحل النطفة بالماء الدافق فقال تعالى:﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)﴾ [الطارق:5-6] وحدد آخرها بحرث النطفة أي غرسها في القرار المكين.

وفي العصر الذي ذكر فيه القرآن هذه المعلومات عن المرحلة الأولى للتخلق البشري، كان علماء التشريح من غير المسلمين، يعتقدون أن الإنسان يتخلق من دم المحيض.

وظل هذا الاعتقاد رائجاً حتى اختراع المجهر (microscope) في القرن السابع عشر، والاكتشافات التالية للحيوان المنوي والبييضة، كما ظلت أفكار خاطئة أخرى سائدة حتى القرن الثامن عشر، حيث عرف أن كلاً من الحيوان المنوي والبييضة ضروريان للحمل[15]*.

وهكذا فإنه بعد قرون عديدة يتمكن العلم البشري من الوصول إلى ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية.

شكل 2-11: رسومات توضح الخلية الجرثومية البشرية. طور الحرث من مرحلة النطفة. تشهد الأرومة الغاذية في هذه الفترة توسعاً سريعاً في حين يكون حجم الجنين صغيراً نسبياً ( ×25) تشير الأسهم إلى الحجم الفعلي للخلية الجرثومية في الفترة المحددة من الحمل.إن الوصف المفصل الوارد في القرآن الكريم والسنة يدعو للعجب نظراً لصغر حجم الخلية الجرثومية وعمر الحمل، فإذا علمت أن نهاية مرحلة النطفة (اليوم 14) تتزامن مع الوقت المتوقع عادة للحيض، ومن غير المحتمل أن تعرف المرأة أنها حامل قبل هذا الوقت أدركت أن هذا الوصف يتجلى فيه الإعجاز الإلهي. وأيقنت أنه وحي من الله سبحانه إلى النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم.

Permission from Moore, K.L. The Developing Human, 4th ed., Philadel- Phia, Saunders 1988

وصف الرحم بأنه " القرار المكين ":

وصف القرآن الكريم النطفة بأدق وصف، ووصف المكان الذي تستقر فيه النطفة بوصفين جامعين معبرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)﴾ [المؤمنون:13].

فكلمة (قرار) في الآية الكريمة تشير إلى العلاقة بين الجنين والرحم. فالرحم (مكان لاستقرار الجنين)[16].

أما مكين فهي تشير إلى العلاقة بين الرحم وجسم الأم.

يقول الزبيدي: (قرار) معناه: (استقر واستراح)[17].

وكذلك القرار هو مكان يستقر فيه الماء ويتجمع3.

وقد وصف القرآن الكريم المكان الذي تستقر فيه النطفة (في الرحم) بأنه قرار.

وقد كشف العلم الكثير من التفاصيل لهذا الوصف الجامع المعبر.

فالرحم للنطفة ولمراحل الجنين اللاحقة سكن لمدة تسعة أشهر.

وبالرغم من أن طبيعة الجسم أن يطرد أي جسم خارجي، فإن الرحم يأوي الجنين ويغذيه.

وللرحم عضلات وأوعية رابطة تحمي الجنين داخله.

ويستجيب الرحم لنمو الجنين ويتمدد بدرجة كبيرة ليتلائم مع نموه فهو قرار له.

ويحاط الجنين بعدة طبقات بعد السائل الأمينوسي وهي الغشاء الأمينوسي المندمج بالمشيمة، وطبقة العضلات السميكة للرحم ثم جدار البطن، وكل هذا يمد الجنين بمكان مناسب للاستقرار وللنمو الجيد.

وهكذا فإن كلمة (قرار) قد استعملت في القرآن الكريم لكل هذه المعاني وغيرها، متضمنة وظائف الرحم باعتباره مكاناً مناسباً لاستقرار الجنين وتمكينه من مواصلة نموه (الشكل 2-12).

وقد جمع اللفظ الذي وصف القرآن الكريم به الرحم بقوله "قرار" كل الحقائق التي اكتشفها العلم، لبيان مناسبة الرحم لاستقرار الجنين، فهو لفظ معبر جامع.

أما كلمة "مكين" فتعني مثبت بقوة[18]، وهذا يشير إلى علاقة الرحم بجسم الأم، وموقعه المثالي لتخلق ونمو كائن جديد

ويقع الرحم في وسطا لجسم، وفي مركز الحوض وهو محاط بالعظام والعضلات والأربطة التي تثبته بقوة في الجسم. أي أنه مكين، كما قرر القرآن الكريم.

وهذا أيضاً لفظ جامع معبر عن كل المعاني التي تبين تمكن الرحم وتثبيته في جسم الأم.

وهكذا فإن كل وصف يتضمن العلاقة بين الجنين والرحم وبين الرحم وجسم الأم، قد أدخل في معنى الكلمتين (قرار) و (مكين) اللتين تعبران تعبيراً تاماً عن حقيقة الرحم ووظائفه الدقيقة ولا يفطن إلى أهمية هذين الوصفين إلا من له علم بحاجات نمو الجنين، وحاجات الرحم، لمواكبة هذا النمو حتى يخرج سليماً.

شكل 2-12: تظهر هذه الرسوم وصف الرحم بأنه قرار مكين.

(أ) قبل الحمل (ب) الحمل في الأسبوع 20 (ج) الحمل في الأسبوع 30 ومع نمو الجنين يزداد حجم الرحم ليستوعب سرعة نمو الجنين. وعند الأسبوع20 يصل كل من الجنين والرحم مستوى السرة، وعند الأسبوع 30 يصلا المنطقة الشرسوفية (لبة القلب) وتتحرك أحشاء الأم من مكانها وتشهد عضلات وجلد جدار البطن الأمامي تمدداً كبيراً، ويكون الرحم في كل مرحلة من مراحل الحميل مكان استقرار كما تشير إلى ذلك كلمة (قرار) ويكون الرحم مثبتاً بشكل راسخ في بطن الأم كما تشير إلى ذلك كلمة (مكين).

Permission from Moore, K.L. The Developing Human, 4th ed., Philadel- Phia, Saunders 1988

الخلاصـة:

أطلق القرآن الكريم والسنة النبوية على الطور الأول من أطوار الجنين اسم (نطفة)، وهو لفظ عربي يدل على القليل من الماء أو على قطرة منه.

وهكذا يبدأ خلق الجنين من قليل من ماء الأب والأم، ثم يأخذ شكل القطرة في مرحلة التلقيح (الزيجوت)، وقبل التلقيح ينسل المنوي من الماء المهين فيكون سلالة من ماء مهين، كما قرر القرآن الكريم.

وشكل المنوي كالسمكة الطويلة، وهذا أحد معاني لفظ (سلالة) الذي استعمله القرآن الكريم لوصف هذه المرحلة.

وبالتلقيح بين المنوي والبييضة يكون الجنين في شكل نطفة مكونة من أخلاط ماء الرجل والمرأة وما فيهما من أخلاط وراثية. فأطلق القرآن عليها (نطفة أمشاج)، فكان وصفاً معبراً عن الشكل (قطرة) وعن التركيب المفرد، فهي (نطفة)، وعن الأخلاط المجتمعة في النطفة (أمشاج).

وبين القرآن أن المرأة محل الحرث، وبهذا الوصف يتبين لنا أن النطفة تنغرس في العضو الخاص بالحمل عند المرأة (الرحم)، وبهذا الانغراس تبدأ النطفة في التغير لتصبح بعد ذلك علقة.

ويبين القرآن أن تلك النطفة تستقر في جسم المرأة، في مكان وصف بأهم وصفين يتعلقان بالجنين ونموه، وهذان الوصفان (قرار) و (مكين) معبران أتم التعبير عن أهم خصائص الرحم ومميزاته.

وهكذا قدم القرآن الكريم والسنة النبوية منذ أكثر من ألف عام مصطلحات تصف مراحل الجنين، وهي منطبقة تماماً مع قواعد تحديد المصطلحات في ضوء معارفنا المعاصرة وكل مرحلة قد قدم لها وصفاً دقيقاً يشمل المظهر الخارجي وأهم أحداث الخلق في تلك المرحلة.

ونريد أن نؤكد أنه مع استمرار البحوث الحديثة في هذا الموضوع، يمكن أن تصبح المصطلحات القرآنية في الحقول العلمية أكثر ملاءمة من المصطلحات المستعملة حالياً، بحيث يستعملها العلماء والدارسون بديلاً للمصطلحات المعاصرة لاسيما وأن لها مزيتها البينة في إيضاح بداية ونهاية كل مصطلح وخلوها من الغموض أو الالتباس.

تعليـق:

كيف تكفر أيها الإنسان ؟

من آيات الله تعالى في النطفة:

* أيها الإنسان هل سألت نفسك أين كنت قبل ولادتك وكيف تكونت ومم تكونت وغيرها من تلك الأسئلة ؟!

هل تعرف كيف بدأ خلقك ؟ إن الجسم البشري يفرز إفرازات كثيرة منها العرق … ومنها الدمع ومنها اللعاب ومنها البول ومنها اللبن ومنها المخاط ومنها ماء مهين وهو إفراز ليس كغيره من الإفرازات فمنه تنبت الشعوب والقبائل والأجيال.

لقد كنت نصفين نصف أفرزه أبوك ونصف أفرزته أمك.

فكيف التقي النصفان ؟ … ذلك تقدير العزيز العليم.

ومن الذي أوجد المودة والرحمة بين الزوجين لتكون دافعاً للزواج ؟

ومن الذي أعد نصفك في أبيك وهياً له الظروف وأمده بالحركة والغذاء ؟

ومن الذي سيره من موضع إلى موضع ويسر له سبيل اللقاء بالنصف الآخر وفتح أمامه الأبواب ؟

ومن الذي جعل رحم أمك يتقلص ليساعد نصفك من أبيك على الحركة والانتقال إلى مكان اللقاء المقدر ؟

ومن الذي نقل نصفك من أمك وهيأ له الغذاء والكان ؟ ومن الذي جمع النصفين في زمن محدد في مكان محدد في بيئة محددة معدة مهيأة في فترة محددة من عمر أمك يمكنها فيها أن تحملك ليعلن عن وجود مخلوق جديد … ؟

ومن قدر كل تلك الأقدار لإيجاد مخلوق فذ هو أنت ؟

مخلوق رتبت أموره ترتيباً وقدرت أوصافه وأحواله تقديراً.

تقدير في الزمان

وتقدير في المكان

تقدير في الهيئة والظروف

وتقدير للغدد والهرمونات

تقدير للخصائص والصفات

وتقدير للسلوك والقدرات

تقدير للأبناء والأحفاد …

وتقدير للمستقبل وإخراج له من غيب الماضي إلى عبر الحاضر.

ونقل الخصائص من الأباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد أنت أيها الإنسان ومهما كان أمرك … ومهما صار شأنك.

صغيراً أو كبيراً، زعيماً أو عظيماً، ملكاً أو رئيساً عالماً أو جاهلاً.

كنت ماء مهينا فقدر هكذا وقدرت أمورك تقديراً وأصبحت إنساناً سميعاً بصيراً.

ترى من كان وراء ذلك التقدير والتدبير. ؟! أتكون الصدفة ؟

أتكون النطفة ؟

أتكون الغدد والهرمونات ؟

أيكون أياً من تلك وراء ذلك الترتيب الدقيق، والتقدير المحكم للأشكال، والأحجام، والوظائف والخصائص، والزمان، والمكان، وكلها لا تملك تقديراً ولا تدبيراً ولا تحيط بالأمر بداية ولا نهاية ؟!

أم أنها قدرة الخالق الحكيم العليم الذي أحاط بكل شئ علماً وقدر لكل عضو وظيفة ومهمة ووفق بين الوظائف والمهام وكملها ؟

﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19)ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ(22)كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)﴾ [عبس:17-23] وكما كانت تلك البداية من نطفة بما تحوي من مورثات وصبغيات لا ترى بالعين المجردة قد انطلق منها الوجود الإنساني بشراً سوياً فملأ الأرض سعياً وحضارات فكذلك تكون النشأة الأخرى … والذي قدر على الخلق أول مرة يقدر على المرة الأخرى وصدق الله القائل في وصف الإنسان الجاحد:

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(77)وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78)قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(79)﴾ [يس:77-79].

أليست هذه هي الخصومة الحمقاء من نطفة تمنى في مواجهة رب الأرض والسماء وخالق الحياة والأحياء.

لقد مر دهر على الأرض ما كانت لتشهد وجود هذا الإنسان … فإذا به يصبح سيداً عليها تدفع أجياله في الخروج إلى الأرض نطفاً أمشاجاً وقد زودت فأدوات العلم (السمع، البصر … الخ) ليكن الإنسان مؤهلاً للهدى وحمل الأمانة. قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾ [الإنسان:1-2]

ويتم الامتحان ويكتسب الإنسان ماشاء من الأعمال ويزول كل شئ من الدنيا وتبقى الإساءة والإحسان وعليهما يكون الجزاء.

المراجـع

القرآن الكريم.

القرطبي: ط دار إحياء التراث العربي.

الطبري: ط دار الفكر، بيروت.

أبو حيان: ط دار الفكر، بيروت.

ابن كثير: ط دار الكتب العلمية، بيروت.

الشوكاني: ط دار المعرفة، بيروت.

الجلالين: ط

صحيح مسلم: ط دار إحياء التراث العربي.

مسند أحمد: ط المكتب الإسلامي، بيروت.

لسان العرب: ط دار صادر، بيروت.

القاموس المحيط: ط مكتبة ومطبعة الحلبي، بمصر.

تاج العروس: ط دار الفكر للنشر والتوزيع.

الصحاح للجوهري: ط القاهرة.

مقاييس اللغة: ط مكتبة ومطبعة الحلبي، بمصر.

نظرة تاريخية في علم الأجنة (بحث قدم في مؤتمر الإعجاز العلمي بباكستان).

التخلق البشري: كيث مور.

5

[1] لسان العرب 9:335.

[2] تاج العروس 6:258-259، لسان العرب 9:336.

[3] رواه مسلم في صحيحه 1:422 ح 157، وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه" مسند أحمد 3:166.

[4] مسند أحمد 1: 465.

[5] انظر تفسير القرطبي ج 20 ص4، حاشية الجمل على تفسير الجلالين 4:517، فتح القدير 5: 419.

[6] (التناسل البشري – مبادئ الطب التناسلي) ط3 بيج وفيللي.

[7] التخلق البشري. كيث مور – ص10.

[8] (ميلاد طفل)، نيلسون، إنغلمان سندبيرغ وبرسون ص22، (التخلق البشري) كيث مور – ص10.

[9] لسان العرب ج11 ص338، 339 القاموس المحيط ج3 ص407 تاج اللغة ج5 من 1731، تاج العروس ج7 ص377-378.

[10] القاموس المحيط ج3 ص407، تاج العروس ج7 ص377-378.

[11] تفسير الطبري 21:59، تفسير القرطبي 19:159.

[12] رواه مسلم في صحيحه من حديث طويل 2: 1064، ح 133.

[13] تفسير القرطبي 19: 121، حاشية الصاوي على الجلالين 4:273، فتح القدير للشوكاني 5:344.

[14] توتة: هذا الاصطلاح يعني: جسماً مصمتاً لا سائلاً.

[15] يأتي التقدير بمعنى:

(I) التروية والتفكير في تسوية أمر وتهيئته.

(ب) تقديره بعلامات يقطعه عليها.

(ج) أن تنوي أمراً بعقدك تقول: قدرت أمر كذا وكذا أي نويته وعقدت عليه. لسان العرب 5/76.

[16] رواه مسلم في صحيحه 4:2037 ح2.

[17] (التخلق البشري) كيث مور –ص9.* انظر بحث نظرة تاريخية في علم الأجنة.

[18] مقاييس اللغة 5: 7، 8، لسان العرب 5: 84.

[19]،(3) تاج العروس 3: 486.

[20] ويذكر كثير من المفسرين هذا المعنى عند تفسير هذه الآية (منهم ابن كثير 3:243، الطبري 18:7، أبو حيان 6: 398) كما تبين آية أخرى من القرآن الكريم معنى "مكين" بأنه متمكن بقوة قال تعالى: "فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين" أي قوي التمكين. سورة يوسف: 12-54.

الإعجاز العلمى فى خلق الإنسان
معجزة خلق الإنسان


تأليف هارون يحيى




المدخل : يعد جسم الإنسان أعقد آلة وأعقد جهاز على سطح الأرض، فنحن ـ طوال حياتنا ـ نرى بهذا الجسم ونسمع ونتنفس ونمشي ونركض ونتذوق طعم اللذائذ . ويملك هذا الجسم ـ بعظامه وعضلاته وشرايينه وأوردته وبأعضائه الداخلية ـ نظاماً وتخطيطاً دقيقاً، وكلما نزلنا إلى التفصيلات الدقيقة لهذا النظام ولهذا التخطيط قابلتنا حقائق مدهشة . وعلى الرغم من الاختلاف الذي يبدو للوهلة الأولى بين الأقسام والأجزاء المختلفة للجسم فإنها تتكون جميعها من اللبنة نفسها، ألا وهي الخلية .

يتركب كل شيء في جسمنا من الخلايا التي يقارب حجم كل واحدة منها جزءاً من ألف جزء من المليمتر المكعب، فمن مجموعة معينة من هذه الخلايا تتكون عظامنا، ومن مجموعات أخرى تتكون أعصابنا وكبدنا والبنية الداخلية لمعدتنا وجلدنا وطبقات عدسات عيوننا . وتملك هذه الخلايا الخواص والصفات الضرورية من ناحية الشكل والحجم والعدد لأي عضو تقوم بتشكيله هذه الخلايا في أي قسم من أقسام الجسم .

فمتى وكيف ظهرت هذه الخلايا التي تكلفت بالقيام بكل هذه المهمات والوظائف المختلفة ؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستسوقنا إلى ساحة مملوءة بالمعجزات في ذرة منها . إن خلايا جسمك البالغ عددها مئة تريليون خلية قد نشأت وتكاثرت من خلية واحدة فقط، وهذه الخلية الواحدة ( التي تملك نفس خصائص خلايا جسمك الأخرى ) هي الخلية الناتجة عن اتحاد خلية بويضة والدتك مع خلية نطفة والدك .

لقد ذكر الله تعالى في القرآن أن معجزات خلقه في السماوات والأرض وفي الأحياء نماذج من الأدلة على وجوده وعلى عظمته، ومن أهم هذه الأدلة هذا الدليل الذي ذكرناه، أي المعجزة الموجودة في خلق الإنسان نفسه.

كثيراً ما توجه آيات القرآن نظر الإنسان لكي يلتفت ويتمعن ويتأمل في خلقه ونفسه : كيف وجد وكيف خلق، ما هي المراحل التي مر بها بالتفصيل، ومن هذه الآيات قوله تعالى :نحن خلقناكم فلولا تصدقون ..

لقد تجمعت خلاصة ولب جسم الإنسان ( المتكون من ستين أو سبعين كيلوغراماً من اللحم والعظم ) في البداية في قطرة ماء واحدة . ولاشك أن تطور البنية المعقدة لجسم الإنسان ( الذي يملك عقلاً وسمعاً وبصراً .. ) من قطرة واحدة شيء محير وغير عادي .

ومما لا ريب فيه أن مثل هذا التطور والتحول والنمو لم يكن نتيجة مراحل عشوائية ولا حصيلة مصادفات عمياء، بل كان أثراً لعملية خلق واعية وفي غاية الروعة .

سيقوم هذا الكتاب بشرح تفصيلات معجزة خلق الإنسان، وهي معجزة مستمرة ومتكررة مع كل إنسان على وجه هذه الأرض . ومن الضروري بيان أن التفصيلات المقدمة في هذا الكتاب حول خلق الإنسان لا تشكل إلا جزءاً فقط من تفصيلات هذا الخلق المعجز .ولكن ما ورد في هذا الكتاب يكفي لكي يدرك الإنسان القدرة اللانهائية للخالق وعلمه اللانهائي المحيط بالكون، وهو يكفي لتذكير الناس أجمعين بأن الله تعالى هو أحسن الخالقين .

قال تعالى : (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ {7} ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ {8} ثُمَّ سَوَّاهُوَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ {9} (السجدة) .

.

النظام المعجز المخلوق لحياة جديدة :

لا يمكن للإنسان المحافظة على حياته على وجه هذه الأرض إلا بعمل دقيق لنظام التناسل . ولأنظمة التناسل الموجودة في جسم المرأة وفي جسم الرجل آليات مختلفة في العمل، غير أن هذه الآليات المختلفة يكمل بعضها بعضاً بتناسق وبدقة ؟ أي أنها تعمل ضمن إطار نظام متكامل، وفي النتيجة يأتي مخلوق جديد إلى الدنيا . أي أن تكوين الإنسان وإخراجه من إنسانين مختلفين ومن جسدين مختلفين ومن جوهرين مختلفين يعد من أعظم المعجزات المتحققة .. وهي معجزة خلق الإنسان .

ولكي تتحقق هذه المعجزة فإن التحضيرات اللازمة والضرورية تكون قد بدأت في جسم الإنسان قبل سنوات عديدة، لذا كان لا بد أولاً من تحول الخلايا التناسلية في جسم الرجل وفي جسم المرأة إلى طور فعال . وتستكمل هذه الفعاليات عند كل إنسان فيما يعرف ب" طور البلوغ " ولا شك أن النظام الهرموني هو أهم عنصر في تأمين الاتصال بين الخلايا، وهذا النظام يقع تحت إشراف وسيطرة الدماغ .

لقد جعل الله تعالى جميع أنشطة وفعاليات النمو والتطوير في جسم الإنسان تحت نظم يسيطر عليها الدماغ، فالدماغ يقيم جميع الرسائل الآتية من مختلف أعضاء الجسم ثم يرسل أنسب الأجوبة وبأقصر وقت إلى الأماكن المناسبة، وهو يستخدم النظام الهرموني كوسيلة في التخابر وفي الاتصال . لقد خلق الله تعالى نظاماً وشبكة بريدية في غاية الروعة وتقوم جزيئات الهرمونات بوظيفة ساعي البريد، فكما يقوم ساعي البريد بالتجول في جميع أنحاء المدينة ناقلاً الرسائل إلى الأماكن المطلوبة، كذلك تقوم الهرمونات بنقل الأوامر الصادرة من الدماغ إلى الخلايا ذات العلاقة . وهكذا تتم في الجسم جميع الفعاليات الضرورية لحياة الإنسان .

ولكن يجب ألا ننسى هنا أن الهرمونات لا تملك وعياً كما يملكه الإنسان، ولا تملك شعوراً ولا إدراكاً لكي تقوم بتعين الاتجاهات ومعرفة ما تحمله ولمن تحمله، فهي لم تتلق أي تدريب في هذا المجال ولم تملك هذه القابلية بعد سنوات من المران ومن التجارب .

فالهرمونات ( التي نطلق عليها اسم " سعادة البريد " عبارة عن جزيئات معقدة جداً لا يمكن شرحها إلا بمعادلات ورموز كيميائية معقدة .

إن قيام جزيء الهرمون بمعرفة ما تحمله من رسائل وإلى أي خلية تحملها، ومواصلة سيرها في الظلام الدامس للجسم (الذي يكبرها بمليارات المرات ) دون أن تضل طريقها، ثم قيامها بتنفيذ هذه الوظيفة على أحسن وجه ودون أي قصور، هذا كله عمل خارق ومعجزة مدهشة . ويكفي هذا المثال فقط لمعرفة مدى كمال وروعة الأنظمة التي أودعها الله تعالى في جسم الإنسان .

تبدأ فعاليات هذا النظام الهرموني في العادة لدى الإنسان وهولا يزال جنيناً في رحم أمه، وتستمر حتى لحظة وفاته . والغدد التناسلية هي من الأعضاء التي تشرع في إبداء الفعاليات نتيجة تأثير الهرمونات . غير أن إفرازات الهرمونات المتعلقة بالغدد التناسلية تبدأ عند مرحلة البلوغ، وذلك خلافاً للهرمونات الأخرى . وعند مرحلة البلوغ يبدأ " الهايبوثولاموس " ويدعى بالعربية " ما تحت السرير البصري " الموجود في الدماغ ( والذي يعد مدير النظام الهرموني ) بإرسال الأوامر إلى الغدد النخامية ( وهي من الغدد المرتبطة به ) لكي تصدر أوامرها المحفزة للأعضاء التناسلية .

من المفيد هنا الإشارة إلى معجزة أخرى، إن الهايبوثالامس ((Hypothalamus يكون على علم بما يجري في جسم الإنسان فهو يعرف ـ مثلاً ـ العمر الذي وصل إليه الإنسان



يشاهد في هذه الصورة الهايبوثالاموس ( ما تحت السرير البصري ) الذي يعد رئيس النظام الهرموني، وموقعه في الدماغ بالنسبة إلى المراكز الأخرى

وهل تم استكمال جميع الشروط المادية المواتية لبدء النظام التناسلي أولا، وهو يتصرف في ضوء هذه المعلومات . وبتعبير آخر فإنه يقوم بحساب العمر، وعندما يدرك أن ذلك الشخص قد وصل إلى مرحلة البلوغ يقوم بإصدار الأوامر الضرورية لغدد الإفرازات الأخرى، أي يقوم بإرسال الرسائل (أي الهرمونات ) الضرورية إلى الأعضاء التناسلية في أنسب الأوقات، فتتحقق بذلك التحولات والتطورات الضرورية لحفظ نسل الإنسان .

ولا يقوم الهايبوثالامسبهذا لدى إنسان واحد، بل يقوم هذا العضو الموجود لدى مليارات الأفراد الموجودين حالياً ولدى الذين عاشوا من قبل بإنجاز هذه المهمة بكل دقة وكفاءة .

ولا شك أن كون قطعة من اللحم بحجم بضعة سنتمترات مكعبة على وعي بالزمن وقيامها بتعبيرات معينة حسب السنوات المنصرمة أمر غريب يستدعي الوقوف عنده والتفكير به .

فكيف يقوم الهايبوثالامسبمثل هذا الحساب ؟ أهناك من يقوم بتعليمه بما يجب عليه علمه، أم أنه قد أكتشف هذا الأمر بنفسه ؟ كيف عرف ـ يا ترى ـ بأنه من الضروري نمو وتطوير الغدد التناسلية لاستمرار نسل الإنسان ؟ وكيف حسب الزمن المناسب والملائم الذي يجب فيه البدء بإفراز الهرمونات ؟ وكيف يستطيع معرفة الهرمون المعين الذي يقوم بتحفيز النظام التناسلي في ذلك الوقت الملائم من بين الهرمونات العديدة التي يقوم الجسم بإفرازها ؟ وهل الخطط المستقبلية التي يقوم بوضعها والتدبيرات التي يتخذها في هذا الخصوص راجعة إلى رؤيته المستقبلية البعيدة المدى ؟

ولماذا ينتظر حتى يصل جسم الإنسان إلى الوضع المناسب من الناحية الفسيولوجية للتناسل ،وليس قبل هذا أو بعد هذا ؟ إن القدر التي تدير كتلة اللحم الصغيرة هذه التي لا تملك لا سمعاً ولا بصراً ولا عقلاً والتي تتصرف وكأنها كائن عاقل ... إن هذه القدرة قدرة عظيمة تجاوز كل خيالنا وتعلو عليه ،وهي قدرة لا مثيل لها ولا ندّ.

ليست المصادفات ولا أي قوة أو مصدر آخر هو الذي يحيط الهايبوثالامسعلماً بالزمن وبمروره، إن الله تعالى هو المدبر لكل هذا، وهو الذي يهب هذا العضو كل هذه القابليات والخواص، أي هو الذي يلهم هذه الكتلة الصغيرة من اللحم ما يجب عليها عمله، وهو يخبرنا في كتابه العزيز : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْيَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) (الأحزاب:52)

لذا فمن المفيد أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار عند قراءة المواضيع التي سنتناولها في الصفحات القادمة .



الهرمونات التي تستطيع تمييز الجنس :

يقوم الهايبوثالامس ( ما تحت السرير البصري ) بالخطوة الأولى في افتتاح مرحلة البلوغ لدى الرجل ولدى المرأة بإرسال هرمون جونادوتروبين(ganadotropins) إلى الغدد النخامية عن طريق الدم، فتبدأ هذه الغدد بإفراز الهرمونات المحفزة للأعضاء التناسلية حسب الأوامر الصادرة من الهايبوتولاموس ،وهذه الهرمونات هي هرمونLH وهرمون FSH ويتم إفراز هذين الهرمونين في الرجل وفي المرأة على السواء، غير أن تأثيرهما يكون مخلفاً فيهما[1]



على الرغم من إفراز الهرمونات نفسها في الرجال وفي النساء فإن كون تأثيرهما مختلفاً اختلافاً كبيراً فيما بينهما يدعو إلى الدهشة، فمثلاً الهرمون المسمى FSHهو الهرمون المسؤول عن ظهور وتكوين البويضة في النساء بينما يكون الهرمون نفسه هو المسؤول عن تكوين الحيوانات المنوية في الرجال ! أما هرمون LH فهو الهرمون المسؤول عن جعل بويضة المرأة في حالة حرة، كما يساعد على إفراز هرمون البروجستيرون progesterone الذي يهيئ رحم المرأة لاستقبال الجنين . ولكن الهرمون نفسه يقوم بمهمة مختلفة جداً عند الرجال، لأنه يقوم بتحفيز الخلايا لإفراز هرمون تستوسيرون(testosterone )، وهو الهرمون الذي يساعد على ظهور خواص الرجولة وتكوين الحيوانات المنوية أيضاً .

ولا شك أنه من المثير أن تكون لنفس الهرمونات تأثيرات مختلفة في الأجسام المختلفة .

عندما يتم إفراز هرمون في جسد رجل يعلم هذا الهرمون أن هذه الخلايا تعود لرجل ،ويقوم بعمل تغييرات حسب هذا العلم مثلاً يؤدي هذا الهرمون إلى زيادة العضلات في جسد الرجل وغلظ الصوت ونمو اللحية . والهرمون نفسه والذي يفرز نتيجة التفاعلات الكيماوية نفسها نراه يقوم بتأثيرات مختلفة في جسد المرأة، بل مضادة تقريباً لتأثيراته في جسم الرجل، فهو يعطي صوت الرجل للرجل وصوت المرأة للمرأة ويتسبب في نمو الجسد حسب تغير الجنس . فإذا كان بمقدور الهرمون التمييز بين جسد المرأة وجسد الرجل فمعنى هذا أنه على علم بكيمياء جسد الرجل وبكيمياء جسد المرأة ويعلم تشريح هذين الجسدين، وهذا يستوجب أن يكون صاحب عقل ومتدرباً أيضاً !.

إن معظم الناس لا يملكون أي معلومات حول الهرمونات المؤثرة في جسد الرجل وفي جسد المرأة، ولا حول العلاقات أو الفعاليات المختلفة الجارية فيهما ولا كيفية جريان هذه الفعاليات، وهم لا يعلمون شيئاً عن سلسلة القيادة وسلسلة الأوامر الصادرة ولا عن الرسائل العديدة الصادرة والواردة، ولا يعلمون أن نمو الجسم وتطوره مرتبط بهذه الرسائل العديدة الصادرة والواردة، ولا يعلمون أن نمو الجسم وتطوره مرتبط بهذه الأوامر الصادرة، ولا يدركون أن أي خلل ـ مهما كان ضئيلاً ـ في هذه المنظومات يؤدي إلى مشكلات حياتية كبيرة، وإضافة إلى هذا فهم لا يملكون أي سلطة أو قدرة في آلية هذه المنظومة وانسيابية عملها .

وهذا شيء طبيعي جداً لمن لم يتلق تعليماً خاصاً في هذا الموضوع، ولكن الشيء الغريب والشيء غير الطبيعي أن تكون لمجموعة من الجزيئات مثل هذا العلم وهذه المعلومات وهذه المعرفة الواسعة ؟
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو : من أين تملك الهرمونات (التي أدرجنا تركيبها الكيماوي هنا ) علم الكيمياء؟ ثم إنها لا تقتصر على معرفة كيمياء جسم الإنسان وحل رموزه ب لهي تتصرف وكأنها عالم كيمياء، فتصل إلى الأجزاء الضرورية في الجسم كما تقوم بتوجيه الخلايا الأخرى وتحفيزها لإنتاج الهرمونات اللازمة عند الضرورة . فكيف ملكت مجموعات الجزيئات هذه ( المحرومة من الشعور والإدراك ) مثل هذا العقل القادر على إنجاز كل هذه الأمور ؟ من الواضح أن مثل هذا العقل لا يعود طبعاً إلى هذه المجموعة من الجزيئات التي نطلق عليها اسم " الهرمونات " والحقيقة لا شك فيها أن مثل هذا النظام لم يظهر نتيجة المصادفات أو نتيجة تأثيرات وعوامل أخرى .

يوجد تفسير واحد فقط لهذا الوضع الخارق وغير الاعتيادي، وهو أن هذا التعيير والتضبيط والتنظيم البيوكيمياوي الخاص في جسد الرجل والمرأة يشير إلى وجود تخطيط وتصميم وتخطيط واعٍ ومقصود، وهذا التصميم وهذا التخطيط يعود إلى الله تعالى وإلى علمه اللانهائي ومهمة الإنسان ـ في هذا المجال ـ في التفكير بعمق وتأمل هذا الفن الرفيع والباهر والاستسلام لربه الذي يحكم كل شيء في هذا الوجود .



نمو الخلايا التناسلية :

توجد أعداد معينة من " الإنسان الألي" ( الروبوت ) في كل مصنع يقوم بإنتاج الأجهزة والآلات التكنولوجية وجميع الأنظمة الكومبيوترية ونظم تشغيل هذه الربوتات وجميع المعلومات الضرورية للإنتاج موجودة في مركز السيطرة لهذا المصنع طول فترة الإنتاج، ومركز السيطرة هذا يشبه بنك معلومات خزنت فيه جميع المعلومات الضرورية حول مراحل الإنتاج والسيطرة النوعية وحول كيفية تعويض الخسائر ). فإن قمنا بتشبيه جسم الإنسان بمثل هذا المصنع (وهو ـ في الحقيقة ـ أكثر المصانع الموجودة على سطح الأرض دقة وأكثرها تعقيداً) نستطيع أن نقول إن جميع المعلومات الضرورية لإدارة عمل هذا المصنع موجودة ومخبوءة في جزئية DNA والتي تعين جميع خواص ذلك الإنسان في المستقبل مودعة في هذه الجزيئات والإنسان لا يزال عبارة عن بويضة ملقحة حديثاً، أي أن هذه المعلومات والخواص المتعلقة بالإنسان (بدءاً من لون العين إلى طول القامة إلى جميع الأمراض التي يكون قابلاً للإصابة بها في المستقبل ) كل هذه المعلومات محفوظة بعناية في جزء صغير من بدن الإنسان لا يمكن رؤيته إلا بالمجهر الإلكتروني .

وجزيئات DNA موجودة في نواة كل خلية من خلايا جسمنا والبالغ عددها مئة ترليون خلية . ويبلغ متوسط قطر الخلية عشرة ميكرونات ( الميكرون يساوي وحداً من الألف من المليمتر ) . فإذا علمنا هذا دهشنا كيف أن معلومات غزيرة وكثيرة جداً قد سُجلت وخزنت في مثل هذا الحيز الصغير جداً . فإن شبهنا الـ DNA ( الذي يضمن دوام الكائن الحي ضمن تخطيط وبرمجة معينة) بدائرة معارف ستكون الكروموسومات هي مجلدات وأجزاء دائرة المعارف هذه .

تتخذ الكروموسومات أماكنها في جزيئة DNA أزواجاً أزواجاً، وهذا أمر مهم، ففي مرحلة خلق كل إنسان يأتي نصف هذه الكروموسومات من الأب والنصف الآخر من الأم . والكروموسومات الآتية من الأم ( وعددها 23 كروموسوماً ) تشكل أزواجاً مع الكروسومات الآتية من الأب (وعددها 23 كروموسوماً أيضاً ) .

أي أن الكروموسومات الموجودة في نواة خلية كل إنسان ( والبالغ عددها 46 كروموسوماً ) تشكل 23 زوجاً من الكروموسومات . غير أن للكروسوم الثالث والعشرين وضعاً خاصاً، فغالباً ما يشار إلى الكروموسوم الثالث والعشرين إيما بإشارة Y أو بإشارة X ففي الرجال يكون أحد الكروموسومين في الزوج الثالث والعشرين من نوع Y والثاني من نوع X أما في النساء فكلا الكروموسومين في الزوج الثالث والعشرين من نوع XX وهنا يرد إلى الخاطر هذا السؤال : بما أن عدد الكروموسومات في كل خلية من خلايا كل إنسان هو 46 كروموسوماً فكيف يكون عدد كروموسومات الطفل الآتي إلى الدنيا من اتحاد خلايا الرجل مع خلايا المرأة 46 كروموسوماً أيضاً؟ فقد كان من المتوقع أن يكون عدد كروموسومات الطفل الوليد (الذي أخذ 46 كروموسوماً من والده و46كروموسوماً من والدته ) 92 كروموسوماً، أي يكون مخلوقاً شاذاً وغير اعتيادي . غير ان هذا لا يحدث ! إذن كيف يكون للطفل الوليد 46 كروموسوماً ؟

إن الإجابة على هذا السؤال تعرف أمام الأنظار معجزة أخرى من معجزات الخالق .أقرأ المزيد